أردوغان : نخضع بوصفنا مسلمين لاختبار خطير، الإسلاموفوبيا والكراهية والعنصرية وقضية اللاجئين من شأنها أن تفاقم المشكلة، علينا أن نُفعّل إرادتنا السياسية على نحو مؤثر، إسلامنا ذات صلة بقدر الأخوة فيما بيننا


حضر الرئيس التركي أردوغان الدورة الحادية والثلاثين لاجتماع الجنة الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري لمنظمة التعاون الإسلامي (كومسيك) يوم 25-11-2015 فيما شارك ممثلو الدول الأعضاء الاجتماع التي عقدت في مركز اسطنبول للمؤتمرات وألقى الرئيس أردوغان كلمة الافتتاح بصفته رئيسا للكومسيك

واستهل السيد الرئيس كلمته بالترحيب بكل الضيوف في اسطنبول داعيا الله عز وجل أن تؤتي المشاورات والجهود نتائج مثمرة، وأن تدفع نحو المستقبل بخطى حثيثة. وذكر بأن الاجتماع سيتناول قضايا اقتصادية واجتماعية وتجارية مدرجة على جدول الأعمال ، وسيتم طرح آراء حول الظروف التي تحيط العالم الإسلامي والمنطقة بأسرها.كما شدد السيد الرئيس على أهمية تبادل وجهات النظر، والمشاورات، والقرارات التي سيبحثها الممثلون الموقرون قصد تحقيق نتائج تعود بالنفع على الإنسانية جمعاء وعلى أمتنا الإسلامية.
ونوه السيد الرئيس أنه رغم كل ما يصيب الاقتصاد العالمي من غموض، وما يشهده من مستجدات سلبية إلا أن حصة الدول الإسلامية من التجارة العالمية قد زادت بنسبة تقارب 40% خلال العقد الماضي. فيما زادت حصتها من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 50% تقريبا ، وحققت التجارة البينية فيما بين البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي طفرة هائلة في العقد الماضي، حيث دنت من تحقيق هدفها المحدد بنسبة 20%، وهو المؤشر الأكثر دلالة على دور وأداء التجارة البينية للدول الأعضاء وطالب الرئيس أردوغان بضرورة إدراك الحقيقة والظروف المؤلمة التي يتم تجاهلها، والتي تقف وراء جميع التطورات.


وأضاف الرئيس أردوغان بالقول: " اليوم يعيش حوالي 21% من سكان الدول الأعضاء في مظمة التعاون الإسلامي، ويبلغ عددهم 350 مليون نسمة، في فقر مدقع. وما يقارب من 50% من سكان بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في ضيق من العيش بسبب الفقر الشديد. وأن هناك فجوات كبيرة فيما بين الدول الأعضاء من حيث الدخل القومي ومستوى التنمية. فمن ناحية، هناك الملايين ممن لا يستطيعون أن يوفوا باحتياجاتهم الأساسية، بينما يتم إنفاق مليارات الدولارات على مظاهر الترف والمباهاة. وامتثالاً للمبدأ الإلهي القائل "إنما المسلمون أخوة"، فنحن بحاجة إلى التعمق في هذه الحقيقة لنتمكن من توجيه حياتنا وفقًا لها. فإسلامنا ذات صلة بقدر الأخوة فيما بيننا ".

وأعرب الرئيس أردوغان عن أن القيم التي تربط بين الإخوة والأخوات تتجاوز معاني الرحمة والتعاطف والمودة، لتصبح "حقًا" يجب أن يُمارس. وقال : " إذا كان العالم الإسلامي يتحول من كونه أرضًا للعلم، والحكمة، والحضارة إلى أرض للمظلومين والمطحونين، فالعامل الأهم هنا هو انتهاك وتجاهل أخلاقيات الأخوة والقانون. وإذا كان في عالم لا يتم تلبية الاحتياجات الأساسية للأطفال، وهم يعانون من الجوع والعطش والفقر، فإنه لن ينعم أحد بالسلام أو الأمان أبدًا. ويشير الله عز وجل في كتابه الكريم إلى هذا الخطر، ويُعرِّف الظروف التي تنتهك فيها أعراف الأخوة بأنها مثل البقاء "على شفا حفرة من النار". وهذا المشهد الرهيب يضع على كاهل جميع الدول الأعضاء مسئولية جسيمة. ولا يمكن أن يؤدي النمو والتنمية دون "رحمة وعدالة" إلى الازدهار، بل سيفضي بالأحرى إلى الدوران في دوامة من المشكلات".

وأضاف السيد الرئيس بالقول : " إن الطريقة الوحيدة للحفاظ على الحاضر والمستقبل هي تعزيز التضامن، والتعاون، والمشاركة، والتعاطف مع إخواننا وأخواتنا بصرف النظر عن أي اعتبارت أخرى. لذا علينا أن نعالج مشاكلنا ونواجهها بشجاعة دون أن ننتظر من سائر الدول والمؤسسات أن تهتم بها. وفي هذه المرحلة، أعتقد أن هناك إمكانية تعاون متعدد الأطراف تحت مظلة الكومسيك، حيث أنها تقدم للمسلمين فرصًا هائلة. وتستطيع الكومسيك أن تؤدي دورًا حاسمًا لا سيما في هذه الفترة من الزمن، إذ تساعدنا على مواجهة التحديات التجارية، والاجتماعية، والاقتصادية التي تتعرض لها الدول الأعضاء سنويًا في اجتماعاتها".
وفي السياق ذكر الرئيس أردوغان أنه اندلعت الحرب الأهلية في سوريا، منذ 5 سنوات، ولا تزال مستمرة حتى يومنا هذا. وراح ثلاثمائة وثمانون ألفا من الأبرياء في سوريا ضحية إرهاب الدولة الذي يمارسه النظام، بينما تشرد 12 مليون شخص، وأجبروا على مغادرة أراضيهم. وتواجه كل من العراق، واليمن، وليبيا، وأفغانستان، ومصر، ولبنان تحديات خطيرة.وعلى الرغم من القمع والعنف اللا إنساني، ظل إخواننا وأخواتنا الفلسطينيون صامدين في معركة شريفة وكريمة ضد الهجمات الإسرائيلية التي تستهدف المسجد الأقصى، والحرم القدسي الشريف.وأدى الحصار الذي فرض على غزة منذ 8 سنوات إلى تحويلها إلى سجن مفتوح، به 1.5 مليون نسمة. ويعاني الآلاف من سكان الروهينغيا وتحرق منازلهم في أراكان ويتعرصون للظلم، وهم مع ذلك يستمرون في نضالهم من أجل الحياة في ظل هذه الظروف القاسية، أو في البلدان المجاورة، أو يلجؤون إلى أمواج المحيط العاتية طلبًا للنجاة. وعلى رأس هذه المشاهد التي تعتصر القلب، تأتي ثلة من القتلة ليسيئوا للإسلام، دين "السلام"، بما يخدم دوافعهم، فيذبحون الأبرياء وتحديدًا المسلمين كل يوم ".

وذكر الرئيس أردوغان أن هذه القوى الظلامية التي يُطلق عليها أسماء مثل تنظيم داعش، والقاعدة، وجماعة بوكو حرام، وحركة الشباب تعمل بمثابة بيادق تهدد العالم الإسلامي. وقال : " انتبِهوا إلى أن الهدف الأساسي لهذه المنظمات الإرهابية هم المسلمون الذين لا يشاركونهم أفكارهم.وإن الدول الإسلامية، والقيم، والفنون المميزة في حضارتنا، ومكتباتنا، وعلماءنا، ومهاد العلم والحكمة هي أكثر من يعاني مما ترتكبه تلك المنظمات من أفعال. لذا علينا جميعا أن نتخذ موقفا حازما ضد هذه الشبكات التي اعتدنا مواجهتها على مر التاريخ ما بين الخوارج والحشاشين، ولا ينبغي لنا أن نترك هذه الشِرذِمة من العصابات حرة طليقة. وعلينا أن نتذكر ونذكّر الآخرين أن اعتناقنا الإسلام نعمة تُسبغ علينا رشدا ومهابة، وأنه نعمة نشكر الله عليها ونفخر بها.وحان الوقت لنحضّ الآخرين على التمسك بالعدل، والتحلي بالحلم والشفقة والرحمة.وعلينا أن نفكر ألف مرة قبل أن نفتح أفواهنا بالكلام. وإن كان لابد لنا من الحديث ، فليكن حديثنا أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر".

ونبه الرئيس أردوغان على أن واجبنا الأساسي نحن المسلمين أن نجتث تلك الخلايا السرطانية التي تسمم عقول شبابنا وأطفالنا في نفس الوقت الذي يستهدفون فيه تدمير تراثنا الإسلامي العريق الذي يمتد تاريخه 1400 عام. وأشار إلى أن مكافحة الإرهاب كانت ذات أهمية ضمن جدول أعمال قمة مجموعة العشرين التي عقدت برعاية رئاسة الجمهورية التركية الأسبوع الماضي يومي 15-16 نوفمبر. وذكر بأن قادة الدول المسلمة في هذه القمة، وقعت على إعلان تاريخ يحدد موقفهم تجاه هذه القضية.وأضاف : " نحن نؤكد على أنه لا فرق بين من تعرضوا للقتل في باريس، ومن يذوقون ويلات المذابح في بيروت، وأنقرة، وسروج، وبغداد، والكويت، وسوريا، والعراق يوميا".
قال السيد الرئيس : " كون تركيا دولة تقاوم الإرهاب منذ ثلاثين عاما على الأقل، فإنها لم ولن نميز بين من قُتلوا في مالي قبل بضعة أيام أو من تعرضوا للذبح في نيجيريا. وينبغي على كل من يؤمن بقدسية الحياة أن ينتهج نفس النهج وأن يتبنى موقفا متسقا قائما على المبادئ، بصرف النظر عن أصل الإرهاب أو موقعه. وإذا نظرنا إلى القتلى في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا على أنهم مجرد أرقام، مثلما ينظر العالم إلى مئات مئات الآلاف من الأشخاص الذين يلقون حتفهم في سوريا، فلن يصب ذلك سوى في مصلحة المنظمات الإرهابية. وإذا وفرنا ذلك الاهتمام الذي يبديه العالم تجاه الطيور والأسماك والنباتات بدلًا من الأطفال الأبرياء الذين يموتون غرقا في البحر المتوسط وبحر إيجة كل يوم، فسوف نفيق من تلك اللامبالاة على كارثة مفجعة. وإن سد الأبواب في وجه ملايين السوريين والعراقيين الذين يبذلون النفس والنفيس للنجاة بحياتهم لن يؤدي إلا إلى تفاقم المشكلة. وإن السبيل الوحيد لضمان تحقيق الأمن والسلام هو احتضان اللاجئين وحمايتهم بدلًا من طردهم أو إغراق قواربهم أو صم الآذان عن صرخاتهم. لذا علينا جميعا أن نعي أن الاختباء خلف الأسلاك الشائكة أو الجدران المرتفعة لن يجعلنا بمنأى عن أي مشكلة. وعلينا أن نقر أن الإسلاموفوبيا والكراهية والعنصرية من شأنها أن تؤدي إلى مزيد من تفاقم المشكلة. وإن ربط الإرهاب بمعتقد أو أمّة أو دين بعينه لا يمكن قبوله أو تبريره بأي صورة كانت. ومن الخطأ أن نلقي باللوم على أتباع دين معين، وأن نجبرهم على الاستجداء كما لو كانوا مذنبين، وذلك بتحديد من هو الإرهابي.ولسوء الحظ أن من يتعرضون للتهميش بسبب معتقداتهم الدينية، أو مظهرهم، أو لغتهم، أو لونهم، وخصوصا بين الشباب، يصبحون صيدا سهلا لأبواق الدعاية التي تطلقها المنظمات الإرهابية".

وأضاف السيد الرئيس وقال : " علينا ألا نتخذ من الخطوات ما قد يؤدي إلى المزيد من تفاقم لهذه المسألة. فالسياسات الطائفية والإقصائية، والاستراتيجيات الخاطئة التي تنفذ في سوريا قد مهّدت لظهور منظمة مثل داعش على مرأى ومسمع منا. وإن التصميم على سياسات خاطئة بالتغافل عن إرهاب الدولة الذي يمارسه نظام الأسد وإلقاء القنابل على السوريين الذين يكافحون من أجل حياة حرة وشريفة أمرٌ لا يختلف عن تقديم الفريسة إلى الوحوش".

وعن قضية إسقاط الطائرة الروسية قال الرئيس أردوغان : رغم كل تحذيراتنا الموجهة إلى طائرتين حربيتين تتجاهان نحو المجال الجوي التركي وهما مجهولتا الهوية فإن إحداهما رجعت وأصرت الأخرى على الانتهاك حتى أسقطتها طائراتنا من طراز إف-16 ، بما يتفق مع قواعد الاشتباك التي كنا قد أعلناها من قبل.وعلمنا بعد ذلك بأنها تابعة لروسيا. ولمدة طويلة، بذلنا جهودًا لتجنب مثل هذا الحادث وأطلقنا التحذيرات اللازمة في حضور جميع الدول المعنية.والسبب في أن هذا الحادث لم يقع قبل يوم أمس هو ضبط النفس وحسن النية من جانب تركيا التي نفد صبرها.وإن تركيا لا تدعم التوترات أو الأزمات أو العداوة. بل دعمت تركيا دوما السلام والحوار والدبلوماسية. ولسوف نستمر في موقفنا هذا. ومع ذلك لا يُعقل أن يتوقع أحد أن نظل مكتوفي الأيدي غير مبالين بانتهاك أمن الحدود التركية والتعدي على حقوقها السيادية وخرق القانون. وإن تركيا لا تتبنى موقفًا سلبيًا تجاه روسيا. بل على العكس، تعتبر تركيا روسيا جارًا لا يُقدر بثمن وشريكا تجاريًا نتمتع بعلاقات طيبة معه في عدد كبير من المجالات. وإننا لا ندافع إلا عن أمننا الخاص".


وأضاف الرئيس أردوغان : " رغم هجمات نظام الأسد على إخوتنا وأخواتنا في سوريا، سنستمر في أنشطتنا الإنسانية على جانبي الحدود. ونحن عازمون على اتخاذ الإجراءات الضرورية لتجنب قدوم موجة هجرة جديدة إلى تركيا.وسنستمر في أداء دورنا من أجل أن ينعم الشعب السوري بالسلام والأمن. ونحن ننتظر من كافة الدول أن تتحرك وفق هذا المنظور وأن تتوقف عن ممارسة السياسات التي ستجر منطقتنا والعالم نحو مزيد من المعاناة".

وندد الرئيس أردوغان بالهجمات الكثيفة على المناطق التي يعيش فيها التركمان : "لدينا أقارب يعيشون هناك تحت القصف المستمر من قبل الطائرات والدبابات والمدفعيات. أقاربنا باتوا لاجئين نحو حدودنا. وقد تم بالفعل وضع بعض منهم في مخيمات داخل تركيا. ويجري ايواء بعضهم في مخيمات على الجانب السوري. ونحن نقدم لهم كل أنواع المساعدة من خلال الهلال الأحمر التركي وبعض المنظمات غير الحكومية ".

وتابع الرئيس أردوغان كلمته : " إن هذه القضايا وغيرها مما يدرج على الأجندة العالمية يجعل نهوض البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي بالمسؤولية أمراً ضرورياً.وقد شاركت بعض البلدان الأعضاء على وجه الخصوص مشاركة فاعلة في وضع أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة. وتتراوح هذه الأهداف بين مكافحة الفقر وتحقيق النمو الاقتصادي الشامل وحق الوصول إلى الطاقة وعدالة الدخل. وأعتقد أن الوزراء الموقرين سيتخذون قرارات مهمة خلال الدورة الحادية والثلاثين للكومسيك من أجل النجاح في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة ومتابعتها".

وأشار الرئيس أردوغان إلى أهمية عدة نقاط فقال : "علينا أن نُفعّل إرادتنا السياسية على نحو مؤثر ، وأن نتبنى سياسات عامة ملائمة، وأن نعزز قدرتنا المؤسسية والبشرية ، وأن نوجد إحساساً بالشراكة الفاعلة من خلال الموارد المالية ، وعلى كافة المؤسسات والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص والأفراد أن يتبنوا هذه الأهداف وهذا يتطلب جهوداً مكثفة من التعاون الدولي والمساعدة الفنية".

واختتم الرئيس أردوغان كلمته بالحديث عن أن تركيا تولت مؤخرًا رئاسة أهم منبر للتعاون الاقتصادي، ألا وهو قمة مجموعة العشرين، التي حظيت بتقدير جميع الدول الأعضاء.وقد تكللت هذه العملية بانعقاد قمة القادة في 15-16 نوفمبر/تشرين الثاني. وقال :" وبإذن الله ستستضيف تركيا قممًا واجتماعات كبيرة العام القادم. وآمل أن تؤدي جهود الكومسيك إلى نتائج مثمرة للدول الأعضاء والعالم الإسلامي والإنسانية بأكملها وأحييكم جميعًا بكل المحبة والتقدير".